شاشات تفصلنا وبيوت تجمعنا.. مراهقو اليوم في مصيدة الـ “تريند
ادخل أي بيت عربي اليوم وقت المساء، ستجد مشهداً متكرراً بدقة: الصمت هو سيد الموقف. الأب يقرأ الأخبار على هاتفه، الأم تتابع شاشتها، والابن المراهق غائب تماماً داخل غرفته، مغلقاً بابه، يعيش في عالم افتراضي لا نعرف عنه شيئاً. نحن نعيش تحت سقف واحد، نعم، لكن تفصل بيننا قارات رقمية.كثيراً ما تزورني في عيادتي التربوية أمهات يملأهن الخوف، وتسألني إحداهن بمرارة: “أشعر أن ابني يتحدث لغة لا أفهمها، كل مصطلحاته وأفكاره مأخوذة من مشاهير يوتيوبرز لا أعرفهم، فلماذا يفضلهم عليّ؟”. الحقيقة التي يجب أن نواجهها كآباء وأمهات هي أن الإنترنت لم يعد مجرد أداة للتسلية، بل أصبح “المربي البديل” الذي يشكل عقول أولادنا في أخطر مرحلة من عمرهم: مرحلة المراهقة.المراهق بطبيعته يبحث عن هويته واستقلاله. في السابق، كان يبحث عنها في النادي أو المدرسة. اليوم، يجدها في الـ “تريند” والـ “لايك”. هنا تكمن المشكلة؛ فالإنترنت يعطي المراهق قبولاً فورياً وهمياً، يجعله يشعر بأنه مرئي ومهم، بينما يرى نصائحنا في البيت مجرد “دقة قديمة” وتقييد لحريته. هذا الانفصال يولد صراعاً صامتاً، ينتهي غالباً بعزلة المراهق واكتئابه، أو تمارضه هرباً من واقع لا يفهمه أهله.الخطأ الأكبر الذي نقع فيه كآباء هو اللجوء إلى “سلاح المنع” أو التجسس. المراهق الذكي تكنولوجياً يستطيع بضغطة زر إنشاء حسابات وهمية لا تصل إليها عينك. الحل ليس في سحب الهاتف، بل في تغيير قواعد اللعبة داخل البيت. يجب أن نتحول من “شرطة تراقب” إلى “أصدقاء يشاركون”. اطلب من ابنك المراهق أن يشرح لك ميزة جديدة في هاتفك، اجعله يشعر أنه الخبير، واكسر هذا الجليد المصطنع بينكما.نحن بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى تطبيق قانون “المساحات الآمنة” في منازلنا. لنتفق عائلياً على أوقات خالية تماماً من الشاشات، مثل وقت تناول الغداء أو العشاء. لنستمع إليهم دون إطلاق أحكام أو سخرية من أفكارهم الغريبة. عندما يثق المراهق أن والديه هما الأمان، لن يهرب بمشاكله أو ابتزازه الإلكتروني إلى الغرباء على الإنترنت.إن “المستقبل العربي” الذي ننشده يبدأ من استعادة دافئنا الأسري. التكنولوجيا لن تتوقف عن التطور، والتحدي الحقيقي أمامنا ليس في كيف نغلق الشاشات، بل في كيف نفتح قلوبنا لأبنائنا، ليتعلموا كيف يتركون الهاتف برغبتهم، ولو لنصف ساعة، بحثاً عن حضن حقيقي وكلام يخرج من القلب.
بقلم غادة أحمد

